أحمد بن محمد القسطلاني
456
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وراحة كدخول الجنة { وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ } بما أمر به { وَاسْتَغْنَى } [ الليل : 8 ] بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى ، { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } [ الليل : 10 ] للخلة الموجبة إلى العسر والشدة كدخول النار . وهذا الحديث أصل لأهل السنة في أن السعادة والشقاوة بتقدير الله القديم واستدلّ به على إمكان معرفة الشقي من السعيد في الدنيا ، كمن اشتهر له لسان صدق وعكسه ، لأن العمل أمارة على الجزاء على ظاهر هذا الخبر ، والحق أن العمل علامة وأمارة ، فيحكم بظاهر الأمر . وأمر الباطن إلى الله تعالى ، وقال بعضهم : إن الله أمرنا بالعمل فوجب علينا الامتثال ، وغيب عنا المقادير لقيام الحجة ، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته ، فمن عدل عنه ضل ، لأن القدر من أسراره ، لا يطلع عليه إلا هو فإذا دخلوا الجنة كشف لهم . 84 - باب مَا جَاءَ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ ( باب ما جاء ) من الحديث ( في قاتل النفس ) . 1363 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ » . [ الحديث 1363 - أطرافه في : 4171 ، 4843 ، 6047 ، 6105 ، 6652 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا مسدد ) هو : ابن مسرهد ، قال : ( حدّثنا يزيد بن زريع ) بضم الزاي ، مصغرًا ، ويزيد من الزيادة ، قال : ( حدّثنا خالد ) الحذاء ( عن أبي قلابة ) عبد الله بن زيد ( عن ثابت بن الضحاك ) الأنصاري الأشهلي ( رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال ) : ( من حلف بملة غير ) ملة ( الإسلام ) كاليهودية والنصرانية حال كونه ( كاذبًا ) في تعظيم تلك الملة التي حلف بها ، أو : كاذبًا في المحلوف عليه ، لكن عورض بكون المحلوف عليه يستوي فيه كونه صادقًا أو كاذبًا ، إذا حلف بملة غير ملة الإسلام ، فالذم إنما هو من جهة كونه حلف بتلك الملة الباطلة ، معظمًا لها ، حال كونه ( متعمدًا ) فيه دلالة لقول الجمهور : إن الكذب : الخبر غير المطابق للواقع ، سواء كان عمدًا أو غيره ، إذ لو كان شرطه التعمد لما قيد به هنا . ( فهو كما قال ) أي : فيحكم عليه بالذي نسبه لنفسه ، وظاهره الحكم عليه بالكفر إذا قال هذا القول . ويحتمل أن يعلق ذلك بالحنث ، لما روى بريدة مرفوعًا : من قال : أنا بريء من الإسلام ، فإن كان كاذبًا فهو كما قال ، وإن كان صادقًا يرجع إلى الإسلام سالمًا . والتحقيق التفصيل ، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر ، وعليه يحمل قوله : من حلف بغير الله فقد كفر ، رواه الحاكم ، وقال : صحيح على شرط الشيخين . وإن قصد حقيقة التعليق ، فينظر ، فإن كان أراد إن قصد حقيقة التعليق ، فينظر ، فإن كان أراد أن يكون متصفًا بذلك ، كفر . لأن إرادة الكفر كفر ، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر ، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيهًا ؟ الثاني هو المشهور . وليقل ندبًا : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، ويستغفر الله . ويحتمل أن يكون المراد به التهديد والمبالغة في الوعيد ، لا الحكم بأنه صار يهوديًّا ، وكأنه قال : فهو مستحق لمثل عذاب ما قال ، ومثله قوله عليه الصلاة والسلام : من ترك الصلاة فقد كفر ، أي : استوجب عقوبة من كفر ، وبقية مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في باب : الإيمان بعون الله وقوته . ( ومن قتل نفسه بحديدة ) بآلة قاطعة : كالسيف ، والسكين ، ونحوهما . وفي الإيمان : ومن قتل نفسه بشيء وهو أعم ( عذب به ) أي : بالمذكور ، وللكشميهني عذب بها أي : بالحديدة ( في نار جهنم ) وهذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية ، ويؤخذ منه : أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم ، لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا ، بل هي لله ، فلا ينصرف فيها إلا بما أذن له فيه ، ولا يخرج بذلك من الإسلام ، ويصلّى عليه عند الجمهور ، خلافًا لأبي يوسف ، حيث قال : لا يصلّى على قاتل نفسه . وفي هذا الحديث : التحديث والعنعنة ، وأخرجه أيضًا في : الأدب ، والإيمان ، ومسلم في الإيمان ، وكذا أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة في : الكفارات . 1364 - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الْحَسَنِ " حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ - رضي الله عنه - فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَقَالَ اللَّهُ : بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ " . [ الحديث 1364 - طرفه في : 3463 ] . وبه قال ( وقال حجاج بن منهال ) بكسر الميم ، الأنماطي السلمي البصري ، مما وصله المؤلّف في : ذكر بني إسرائيل ، فقال : حدّثنا محمد قال : حدّثنا حجاج بن منهال ، ومحمد هو ابن معمر ، كذا نسبه ابن السكن عن الفربري